الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
67
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نَفَراً على تمييز نسبة أَعَزُّ إلى ضمير المتكلم . وجملة وَدَخَلَ جَنَّتَهُ في موضع الحال من ضمير قالَ ، أي قال ذلك وقد دخل جنته مرافقا لصاحبه ، أي دخل جنته بصاحبه ، كما يدل عليه قوله : قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ، لأن القول لا يكون إلا خطابا لآخر ، أي قال له ، ويدل عليه أيضا قوله : قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ [ الكهف : 37 ] . ووقوع جواب قوله : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً في خلال الحوار الجاري بينهما في تلك الجنة . ومعنى وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة اللّه عليه . وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى ، فما دخل إلا إحدى الجنتين . والظن بمعنى : الاعتقاد ، وإذا انتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده . وتبيد : تهلك وتفنى . والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها ، أي لا أعتقد أنها تنتقض وتضمحل . والأبد : مراد منه طول المدة ، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها . وهذا اغترار منه بغناه واغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر وقوته وثبوته واجتماع أسباب نمائه ودوامه حوله ، من مياه وظلال . وانتقل من الإخبار عن اعتقاده دوام تلك الجنة إلى الإخبار عن اعتقاده بنفي قيام الساعة . ولا تلازم بين المعتقدين . ولكنه أراد التورك على صاحبه المؤمن تخطئة إياه ، ولذلك عقب ذلك بقوله : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً تهكما بصاحبه . وقرينة التهكم قوله : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً . وهذا كقول العاصي بن وائل السهمي لخباب بن الأرت « ليكونن لي مال هنالك فأقضيك دينك منه » . وأكد كلامه بلام القسم ونون التوكيد مبالغة في التهكم . وانتصب مُنْقَلَباً على تمييز نسبة الخبر . والمنقلب : المكان الذي ينقلب إليه ، أي يرجع . وضمير منهما للجنتين عودا إلى أول الكلام تفننا في حكاية كلامه على قراءة الجمهور منهما بالتثنية ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف